الحلبي
233
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأن تلك الرؤوس لم تحمل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، على أن فيه أنه لم يحمل إليه ذلك اليوم إلا رأس أبي جهل على ما تقدم . سرية الرجيع وفي الأصل : بعث الرجيع . بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشرة ، وقيل ستة عيونا إلى مكة يتجسسون أخبار قريش ليأتوه بها ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه ، ويقال له ابن أبي الأفلح بالفاء ، وقيل أمر عليهم مرثدا الغنوي رضي اللّه عنه حليف عمه صلى اللّه عليه وسلم حمزة رضي اللّه عنه ، ومرثد بفتح الميم وإسكان الراء وبالمثلثة . والغنوي بغين معجمة : أي وكان مرثد هذا يحمل الأسرى ليلا من مكة حتى يأتي بهم المدينة ، فوعد رجلا من الأسرى بمكة أن يحمله ، قال : فجئت به حتى انتهيت به إلى الحائط من حيطان مكة في ليلة مقمرة ، فجاءت عناق وكانت من جملة البغايا بمكة ، فرأت ظلي في جانب الحائط ، فلما انتهت إليّ عرفتني قالت : مرثد ؟ قلت مرثد ، قالت : مرحبا وأهلا هلم تبت عندنا الليلة ، فقلت : يا عناق إن اللّه حرم الزنا ، فدلت عليّ ، فخرج في أثري ثمانية رجال ، فتواريت في كهف الخندمة فجاؤوا حتى وقفوا على رأسي ، فأعماهم اللّه عني ، فلما رجعوا رجعت لصاحبي ، فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى محل فككت عنه قيده ، ثم جعلت أحمله حتى قدمت المدينة ، ثم استشرته صلى اللّه عليه وسلم أن أنكح عناقا ، فأمسك عني حتى نزلت الآية : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ النّور : الآية 3 ] فدعاني صلى اللّه عليه وسلم فتلاها عليّ ، ثم قال لي : لا تتزوجها . وفي قطعة التفسير للجلال المحلي أن الآية نزلت في بغايا المشركين لما همّ فقراء المهاجرين أن يتزوجوهن وهن موسرات لينفقن عليهم ، فقيل التحريم خاص بهم ، وقيل عام ، ونسخ بقوله : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [ النور : الآية 32 ] الآية . وفيه أن عند فقهائنا يحرم على المسلم نكاح من تعبد الأوثان وإن لم تكن بغيا . ومن جملة العشرة عبد اللّه بن طارق وخبيب بن عدي وخبيب تصغير خب : وهو الماكر من الرجال الخدّاع ، وزيد بن الدثنة بفتح الدال المهملة وكسر الثاء المثلثة وقد تسكن ثم نون مفتوحة ثم تاء تأنيث مقلوب من الندثة . والندث : استرخاء اللحم ، فخرجوا رضي اللّه عنهم : أي يسيرون الليل ويكمنون النهار ، حتى إذا كانوا بالرجيع : وهو ماء لهذيل لقيهم سفيان بن خالد الهذلي الذي قتله عبد اللّه بن أنيس وجاء برأسه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم وقومه - وهم بنو لحيان - فإنهم ذكروا لهم فنفروا إليهم فيما يقرب من مائة رام ، أي ولا يخالف ما في الصحيح قريبا من مائة